حيدر حب الله
11
شمول الشريعة
ذلك الذي يصنع ساعةً ، ثم يعطيك إيّاها لتبقى عندك لزمنٍ طويل بلا حاجةٍ لكي يتابعها هو أو تُرجعها إليها كلّ فترة ، أمّا ذلك الصانع الذي تحتاج ساعته إلى متابعة دائمة منه فهو غير ماهر ، فالله خلق العالم في أفلاكه كالساعة التي لا تحتاج إلى من يتابع أمرها يوميّاً ، بل هي بروعة خلقها تسير في هذا الوجود لوحدها ضمن خطّة محكمة رسمت لها في لحظة الخلق ، والله خلق الإنسان فمنحه العقل والشعور وكلَّ شيء ، بحيث يمكنه أن يعيش وسط هذا الوجود بما منحه من إمكانات ، ومن ثمّ فلا حاجة لكي يتابعه في الهداية السلوكيّة والتشريعيّة ، وهذا ما يعني عدم الحاجة للنبوّات مطلقاً وعبثيّة مفهوم الوحي والمعجزات ، وهذا معنى أنّ الربوبيّة تؤمن بالله وتكفر بالأديان . وإذا ما كانت هناك مشاكل إنسانيّة في هذا العالم فليست عند الربوبيّين إلا بسبب الإنسان نفسه الذي لم يشتغل - بجديّة وإتقان - على ما منحه الله من إمكانات . على الخطّ الآخر ، يختلف الربوبيّون عن الملحدين في قضيّة وجود الله ، فيرون وجوده ثابتاً ، لكنّهم تلقائيّاً يتفقون معهم في قضيّة تدخّل الله في العالم ، حيث يُنكره الطرفان معاً إمّا لإنكار التدخّل مع الاعتقاد بوجود الله أو لإنكار أصل وجود الله من رأس كما يراه الملحدون . بهذه المقدّمة ، يتضح لنا أنّ فكرة ( تدخّل الله ) هي فكرة محورية في هذا النزاع ثلاثيّ الأطراف ، ونحن نعرف أنّ هناك نقاشاً فلسفيّاً وكلاميّاً أيضاً في هذه الفكرة بنحوٍ من الأنحاء من قَبْل ، ضمن الحديث عن حاجة المعلول إلى العلّة حدوثاً أو أنّ حاجته إليها في الحدوث والبقاء معاً ، وهو نزاع عرفه التراث الفلسفي والكلامي . إنّ فكرة ( تدخّل الله ) ، ترتدّ إلى فكرة أكثر تعقيداً تتصل بشكل علاقة الله بالعالم ، وهي علاقة لطالما حيّرت الفلاسفة والمتكلّمين والباحثين ، حتى ظهرت نتيجة ذلك نظريّات كثيرة جدّاً ، من الأفلاطونيّة والله الصانع ، إلى الفلسفة الأرسطيّة والإله المحرّك ، إلى الفلسفة الرواقية والإله الذي يمثل روح العالم الراسخة فيه ، إلى الفلسفة الأفلوطينيّة والأفلاطونية الجديدة في نظريّة الصدور والفيض ، وصولًا إلى الفلسفة الصدرائيّة . . إلى غير ذلك من الأفكار والتصوّرات . بوصفنا ننطلق هنا من أصلٍ موضوع يفرض تموضعنا في إطار الدين السماوي - دون الإلحاد أو الربوبيّة - فهذا يعني أنّنا نؤمن بفكرة التدخّل الإلهي ، وهذا ما يُنتج أنّنا لو تخطّينا فكرة